الحارث المحاسبي

15

المسائل

فالذي يبعث على إعظام النعمة النظر فيما يعقبها إذا زالت ، لأنّ عاقبة النعمة البلية ، فلو أنّ عبدا ملك كثيرا من الأموال ، وفقد من النعم ما آلمه فقده لاشترى بجميع ما يملك من الأموال ، أقل القليل من نعمه . لأنّ ما حل به من الآلام ، يفتدى منه بكثير الأموال . فمن عظم ما به من النعم حلّ به الغنى ، ولم يأسف على ما فاته من الدنيا . فالذي يبعث على أداء الشكر شدة حسن اعتقاد الوفاء من اللّه عز وجل للعبد ، إذا نظر إلى من أحسن إليه من غير يد كانت منه عليه ، وتعاهده له في ليله ونهاره . فاستحيى من تقصيره في حق من هذه صفته ، وخاف أن يسلبه إياها إذا قصر في أداء شكره ، واستعان على اعتقاد الوفاء بحسن اعتقاد الصبر ، فزاد ذلك في غناه ، واستوجب المزيد من مولاه . قلت : ما الذي يبعثه على قلة الاهتمام بما تكفل له به ربه ؟ قال : يقينه باللّه لما ضمن له الوفاء ، ومعرفته بأنه لا يضيع الضعفاء ، ونظره إلى مولاه من حيث جوده ، وحسن عطفه على عباده ، وأنه ينجز ما وعد ولا يخلف ، وهو الغني الحميد ، الرحيم الودود ، فإذا نظر إلى ربه بجوده ، وحسن الوفاء بموعوده ، قل اهتمامه لما ضيع فيما مضى من أيامه ، فتدارك التضييع بإحسانه ، وتلافى ذكر ما مضى نسيانه ، فأفاق من مؤنة الاهتمام ، وقام فعله بالتمام ، وأزاح عنه حسن الظن بمولاه الفقر ، وشغله عن ذكر الدنيا حسن القيام بالشكر ، فسكن إلى الغنى ، وحل بالراحة . وقد قالت الحكماء : « لا يهتم عاقل إلا باللّه » . وقالوا : « من لجأ إلى غنى جواد حلّ بالغنى ، واستراح من تعب العنا » . وقالوا : « من أنزل حاجته بواحد ما جد حلّ بالراحة » . وقالوا : « لا يهتم عاقل إلا بقصد حسن التدبير ، وما إليه يصير » . قلت : فالشّكر « 1 » ما هو ؟ قال : الشكر ضروب ، فمنه مفروض ، ومنه نفل .

--> ( 1 ) قال القشيري برسالته ص 174 : الشكر ينقسم إلى شكر باللسان وهو اعترافه بالنعمة بنعت الاستكانة ، وشكر بالبدن وهو اتصاف بالوفاق والخدمة ، وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة . . . الخ ( للتوسع انظر الرسالة ص 173 - 178 ) .